الشيخ السبحاني

91

بحوث في الملل والنحل

فتعليل لزوم العبادة بكونه سبحانه « ربكم » في الآية الأُولى أو « ربكم وخالق كلّ شيء » في الآية الثانية ، يعرب عن أن الدافع إلى العبادة هو ذلك الاعتقاد ، وبالتالي ينتج أنه لا يتصف الخضوع بصفة العبادة إلّا إذا اعتقد الإنسان أنّ المخضوع له خالق ورب أو ما يقاربه ، ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه ينفي صلاحية من في السماوات والأرض لأن يكون معبوداً لأجل أنّهم عباد الرَّحمن ، قال : « إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً » « 1 » ، فليسوا أرباباً ليدبّروا أُمورهم ، ولا خالقين ليخلقوهم . نعم ، الاعتقاد بالربوبية ينحل إلى الاعتقاد بأنه يملك شؤون العابد ، إمّا في جميع الجهات كما هو الحال في إله العالم عند الموحّدين ، أو بعض الشؤون كالشفاعة والمغفرة ، أو قضاء الحوائج ورفع النوازل ، كما هو الحال في الآلهة الكاذبة عند المشركين ، ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه ينفي عن معبوداتهم كونهم مالكين لكشف الضر . قال : « لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا » « 2 » ، وقال تعالى : « فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا » « 3 » وقال : « لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً » « 4 » . وقال : « إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً » « 5 » إلى غير ذلك من الآيات الّتي تنفي بتاتاً ، تملّك معبوداتهم المدعاة شيئاً من شؤونه سبحانه .

--> ( 1 ) . مريم : 93 . ( 2 ) . الرعد : 16 . ( 3 ) . الإسراء : 56 . ( 4 ) . مريم : 87 . ( 5 ) . العنكبوت : 17 .